كذّبته طهران في إسرائيل.. هل أقنع ترامب أحدًا بخطابه حول حرب إيران؟
صافرات الإنذار تمزق صمت ليل المستوطنات والمدن الكبرى في إسرائيل.
كان خطابًا معنونًا بأنه للأمة، بينما يبدو أن هذه الأمة لا تصدقه؛ ففي الدقيقة التي كان فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقف بثبات خلف منصة البيض الأبيض، ليزف للمواطن الأمريكي خبرًا مفاده أن “الجيش الإيراني بات في حالة دمار شامل وأن تغيير النظام قد وقع بالفعل”، كانت وكالات الأنباء العالمية والشبكات الإخبارية تبث شاشة منقسمة تجسد أقصى درجات الانفصام الاستراتيجي والعمى السياسي الأمريكي في حرب إيران الراهنة.
فبينما يصرخ ترامب عبر الأثير مبشرًا بنهاية شرور العدوان ومؤكدًا بلهجة المنتصر أن “واشنطن تملك كل الأوراق، والنظام في طهران لا يملك شيئًا”، كانت صافرات الإنذار تمزق صمت ليل المستوطنات والمدن الكبرى في إسرائيل.
في تلك اللحظة بالذات، كانت عدسات شبكة “الجزيرة” وصحيفة “يسرائيل هيوم” تنقل مشاهد حية لانفجارات متتالية وسط إسرائيل، وهروب ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ للاحتماء من دفعتين متتاليتين من الصواريخ الباليستية الإيرانية المتطورة التي نجحت في اختراق الطبقات الدفاعية.
وهذا التناقض الفوري والدرامي بين ادعاء النصر الخاطف والمجاني في أروقة البيت الأبيض، وواقع النيران والاستنزاف المستمر في العمق الإسرائيلي، حوّل كلمة الرئيس الأمريكي إلى توثيق تاريخي لانفصال صانع القرار عن جغرافية المعركة الحقيقية. وربما هو أيضًا ما يفسر الانهيار السريع لمعدلات التأييد الشعبي للحرب داخل أمريكا.
حرب إيران ووهم “تغيير النظام”
لم يحمل خطاب الـ 20 دقيقة أي خطة متماسكة أو واضحة المعالم لما بعد المعركة.
اكتفى الرئيس الأمريكي بالترويج لنجاحات تكتيكية جوية وبحرية، زاعمًا القضاء على أغلب قادة النظام ومبشرًا بأن عجلة التغيير السياسي قد دارت ولا يمكن إيقافها.
غير أن وابل الصواريخ الإيرانية المستمر دحض أسطورة “المهمة السهلة” وأثبت أن “قطع رأس القيادة” لا يعني بالضرورة شلل الجسد العسكري. لقد بنى ترامب خطابه على تقديرات متفائلة تتجاهل طبيعة الترسانة الإيرانية المعقدة؛ وهو ما تؤكده تحليلات عسكرية حديثة كشفت عن ما يُعرف بـ “مدن الصواريخ المخفية داخل الجبال”، والتي بُنيت على أعماق تصل إلى 500 متر تحت سطح الأرض لتخزين وإطلاق الصواريخ الباليستية الاستراتيجية.
هذه القواعد صُممت خصيصًا لضمان “الضربة الثانية” وللعمل بكفاءة في ظل انقطاع الاتصال القيادي المباشر. بينما القوة الجوية الأمريكية، ورغم قدرتها التدميرية الهائلة وامتلاكها للقنابل الخارقة للتحصينات، لا تكفي وحدها لتفكيك شبكة صاروخية لا مركزية تمتد على مساحات شاسعة وتتحصن تحت جبال من الجرانيت.
وهذا الواقع التكتيكي يجعل من إعلان “سقوط النظام” مجرد أمنية سياسية تخالفها التقييمات العسكرية الصارمة التي تؤكد استمرار طهران في استخدام بنيتها التحتية العميقة، التي صمدت هياكلها الأساسية رغم مئات الغارات الجوية، مما يضمن قدرتها على إعادة إنتاج صف ثانٍ وثالث من القيادات الميدانية لإدارة حرب استنزاف طويلة الأمد.
\
\